محمد سعيد رمضان البوطي
117
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
وفي منكم فأجره على اللّه ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره اللّه فأمره إلى اللّه إن شاء عاقبه ، وإن شاء عفا عنه » . قال عبادة بن الصامت : « فبايعناه على ذلك » « 34 » . فلما أرادوا الانصراف بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم معهم مصعب بن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين ، فكان يسمى مقرئ المدينة . العبر والعظات : أرأيت كيف بدأ التحول في طبيعة ما كان يلاقيه النّبي صلّى اللّه عليه وسلم طوال هذه السنوات التي خلت من عمر بعثته صلّى اللّه عليه وسلم ؟ لقد أينع الصبر ، وبدأ الجهد يثمر ، واستغلظ زرع الدعوة وأخذ يستوي على سوقه ليعطي النتيجة والثمار . ولكن ، فلنلتفت مرة أخرى - قبل البحث عن الثمرة والبشائر - إلى طبيعة ذلك الصبر النّبوي العظيم ، أمام كل تلك الشدائد المختلفة الجسام . لقد رأينا أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن يقصر الدعوة على قومه من قريش الذين لم يألوا جهدا في إذاقته كل أصناف المحن والمصائب . بل كان يدخل بين القبائل الآتية من خارج مكة من شتى الجهات والأطراف بمناسبة موسم الحج ، فيعرض نفسه كدلال عليهم ويدعوهم إلى بضاعة الدّين وكنز التوحيد ، ويذهب ويجيء بينهم فلا يرى مجيبا له . روى أحمد وأصحاب السّنن والحاكم وصححه : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول : « هل من رجل يحملني إلى قومه ، فإن قريشا منعوني أن أبلّغ كلام ربّي ؟ ! » « 35 » . إحدى عشرة سنة ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلم ( بأبي هو وأمي ) يعاني من حياة لا راحة فيها ولا استقرار ، تتربص قريش في كل دقيقة منها بقتله ، وتصب عليه ألوانا من المحن والشدائد ، فلا ينقص ذلك شيئا من عزيمته ولا يضعف شيئا من قوته وسعيه . إحدى عشرة سنة ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلم يعاني من غربة هائلة مظلمة بين قومه وجيرانه وكافة الجماعات والقبائل المحيطة به ، فلا ييأس ولا يضجر ولا يؤثر ذلك على شيء من أنسه بربّه عزّ وجلّ . إحدى عشرة سنة من الجهاد والصبر المتواصل في سبيل اللّه وحده ، هي الثمن والطريق إلى
--> ( 34 ) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء ، باب وفود الأنصار وبيعة العقبة . ومسلم في كتاب الحدود . وفي اشتراك عبادة في هذه البيعة كلام طويل ، انظر تحقيق ذلك في فتح الباري عند شرح هذا الحديث . ( 35 ) فتح الباري : 7 / 156 ، وزاد المعاد : 2 / 50 ، وانظر الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد : 20 / 269